هل تفضي زراعة القنب الهندي الذى يعتبر نوع من المخدرات، أو ما يصطلح عليه باسم "الكيف"، إلى تدهور الأراضي والتربة، أم إنها زراعة صديقة للبيئة بالمغرب؟ سؤال عريض قاد أمينة الشلخة، باحثة بشعبة الجغرافيا بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى تخصيص أطروحة دكتوراه، هي الأولى من نوعها، بشأن زراعة الكيف.
وبحسب الباحثة الشابة، والتي تنحدر من تاونات، فإنها سبرت أغوار هذا الملف لما يزيد عن خمس سنوات، منطلقة من الواقع الذي عاينته خلال تنقلها في أقاليم الشمال ووصولها إلى أقصى الدواوير، في إطار اشتغالها وكيلة تنمية على أحد برامج تنمية أقاليم الشمال، واحتكاكها بالساكنة والمجال.
الشلخة سجلت أن هذه الزراعة منتشرة بكثرة في كل واد وسفح وجبل بالجماعات القروية ودواوير أقاليم الشمال. وبالمقابل، فإن "تقارير وزارة الفلاحة لا تشير إلى وجود هذه الزراعة، ويتم تحاشي الحديث عنها من طرف الساكنة والمصالح المحلية، بينما الواقع عكس ذلك تماما"، يورد ملخص أطروحة الدكتوراه.
ولاحظت الأطروحة أن "الأبحاث التي أجريت على هذا الموضوع تكتفي بالاستفاضة في الجانب السوسيو- اقتصادي، في حين تهمل الجانب البيئي، بينما اتجهت أغلب هذه الأبحاث إلى اعتبار زراعة القنب الهندي (وحشا) يلتهم الأخضر واليابس، فيجفف المياه، ويلتهم الغابة، ويدهور التربة".
ومن أهم النتائج التي توصلت إليها أمينة، يتبين أن المقارنة بين وضعية المجال سنة 1986؛ أي قبل حوالي 10 سنوات من دخول زراعة القنب الهندي وصولا إلى الوضعية الحالية، تظهر أن زراعة الكيف تحولت من زراعة تكميلية تقتصر على بعض الدواوير المنعزلة، إلى زراعة وحيدة سائدة بالمجال.
وأوردت الباحثة تحولا ثانيا مرتبطا بانتشار هذه الزراعة في مجال جبلي وعر، فمحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، جعلت المزارعين يتجهون إلى اجتثاث واقتلاع وحرق الغابة و"الماطورال"، بحثا عن أراض جديدة لتوسيع المساحة المزروعة بالقنب الهندي، وكذا البحث عن أراض خصبة، كأراضي المجال الغابوي.
ودقت الباحثة ناقوس الخطر بشأن المساحة الغابوية بجبال الريف، متوقعة أنه "إذا ظل الاجتثاث بهذه الوتيرة، خلال 10 سنوات المقبلة لا يمكن الحديث عن وجود غابة بمجال الريف"، مبرزة أن "الخطر الأكبر هو اقتلاع الغابة من السفوح قوية الانحدار والوعرة وقمم الجبال، مما يسرع في عملية فقدان الأتربة، وبالتالي تعريضها للتدهور".
ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها أمينة الشلخة، النقص الكبير في المادة العضوية بالتربة في المشارات المستغلة في زراعة القنب الهندي، مقارنة بالوضع الأصلي، مسجلة ارتفاع حموضة التربة بكل مشارات القنب الهندي، نتيجة استعمال الأسمدة الكيماوية، وموردة الأهمية الكبيرة التي يوليها الفلاح الريفي للعناية بالأرض.
ورغم أن زراعة القنب الهندي نظام استغلال جديد مخالف لما كان سائدا من قبل، تورد الباحثة، إلا أن الفلاح تنبه إلى الحفاظ على التربة، حيث يُخضع الأراضي للاستراحة 4 أو 5 سنوات، ثم يعاود استغلالها، بالإضافة إلى اللجوء إلى كم كبير من التقنيات المحافظة على التربة، لعل أكثرها انتشارا المزواجة بين زراعة الكيف والأشجار المثمرة.
نتائج الأطروحة هذه استعرضتها الباحثة بمدرج الشريف الإدريسي بالرباط، أمام أنظار لجنة مكونة من دكاترة متخصصين في تدهور الأراضي، ولقيت تنويها من لدن اللجنة العلمية، كما حصلت على توصية بطبع الأطروحة لتكون متاحة للباحثين، ولأصحاب القرار، والمتتبعين للشأن البيئي بالمغرب.
اللجنة العلمية نوهت بجرأة الباحثة وشجاعتها على اقتحام تخصص يعتبر حكرا على الباحثين الذكور، نظرا لصعوبة العمل الميداني، وكذا على شجاعتها في دراسة موضوع يعتبر من "الطابوهات" نظرا لحمولته السياسية والقانونية والسوسيو- اقتصادية الكبيرة، وفي مجال صعب الولوجية كجبال الريف.
واعتبرت الباحثة أن أكبر تحدٍّ واجهها ليس صعوبة الموضوع، بقدر ما كان قلة الإمكانيات التي توفرها الجامعة، قائلة: "تحملت نفقات تنقلي للمجال، وكذا نفقات اقتناء أدوات البحث، كالصور الجوية وصور الأقمار الاصطناعية، ومعطيات التساقطات، إلى غير ذلك، من جيبي الخاص، خصوصا مع حرماني من المنحة، لأني كنت أشتغل في القطاع الخاص خلال السنة الأولى من تسجيلي بالدكتوراه".

ليست هناك تعليقات :